محمد الغزالي
180
فقه السيرة ( الغزالي )
الوصول إلى المدينة وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة ، فكان أهلها يخرجون كلّ صباح يمدّون أبصارهم إلى الأفق البعيد ، ويتشوّفون إلى مقدمه بلهفة ؛ فإذا اشتدّ عليهم الحرّ عادوا إلى بيوتهم ، يتواعدون الغد ، وملء جوانحهم الترقّب ، والقلق ، والرجاء . وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة ، برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم ، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته ، ويودّون رؤيته ، فلما حميت الظهيرة ، وكادوا ييئسون من مجيئه ، وينقلبون إلى بيوتهم ؛ صعد رجل من اليهود على أطم من اطامهم لبعض شأنه ، فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه يتقاذفهم السراب ، وتدنو بهم الرواحل رويدا رويدا إلى المدينة ، إلى وطن الإسلام الجديد ، فصرخ اليهودي بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدّكم الذي تنتظرون . . . فأسرع الأنصار إلى السلاح ، يستقبلون به رسولهم صلى اللّه عليه وسلم ، وسمع التكبير يرجّ أنحاء المدينة ، ولبست ( يثرب ) حلّة العيد ومباهجه . قال البراء : أول من قدم علينا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير ، وابن أمّ مكتوم ، فجعلا يقرئان الناس القران ، ثم جاء عمار ، وبلال ، وسعد ، ثمّ جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ، ثم جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به ، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون : هذا رسول اللّه قد جاء « 1 » . يا عجبا لنقائض الحياة واختلاف الناس ! إنّ الذي شهرت مكة سلاحها
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 208 - 209 ، 8 / 568 ؛ والطيالسي : 2 / 94 ؛ وأحمد ، رقم ( 3 ) .